كتبت – هبة الله إبراهيم المنصوري
مكتب أخبار مينانيوزواير – في قلب دمشق، مدينة الياسمين والتاريخ، يقف المسجد الأموي شامخًا كشاهد حي على حضارة خلدتها الأزمان، ومعلم يروي للأجيال قصة مدينة لم تغب شمسها عن صفحات المجد. هذا الصرح الفريد، الذي بُني بأمر الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك عام 705 ميلادي، يمثل خلاصة عبقرية الإنسان العربي وإبداعه في العمارة والفنون. من قبابه المزينة بأروع الزخارف إلى أروقته الفسيحة التي عكست روعة التصميم الإسلامي، يُعد المسجد الأموي رمزًا للتسامح والتعايش الذي لطالما ميز الحضارة الإسلامية. وظل المسجد طوال العصور محورًا للحياة الروحية والثقافية، يقصده الناس من كل مكان بحثًا عن السكينة والمعرفة.

مركز العلم والثقافة وجوهرة الفن الإسلامي
لم يكن المسجد الأموي مجرد مكان للعبادة، بل تحوّل إلى مركز للعلم والثقافة وقبلة للمفكرين والعلماء. هنا، تناقش العلماء في أروقته وتركوا إرثًا من الفكر الذي لا يزال يدرس حتى اليوم. زُينت جدرانه بلوحات فسيفسائية بديعة تصور مناظر طبيعية وجمالية مستوحاة من بساتين دمشق، مما جعله جوهرة حقيقية في عالم العمارة الإسلامية. وعلى مر العصور، ألهم المسجد الفنانين والمهندسين الذين اقتبسوا من تصميمه إبداعًا انعكس في مساجد أخرى عبر العالم الإسلامي، ليبقى رمزًا للتميز المعماري الذي يحمل روح العصور الذهبية.
جماعات تكفيرية تندس المسجد الأموي
رغم هذا التاريخ المشرق والمكانة العالية التي يتمتع بها المسجد الأموي، لم يسلم من أيادي الإرهاب التي حاولت النيل من قدسيته وتشويه رمزيته. الجماعات التكفيرية التي استباحت تراث الشعوب وأماكنها المقدسة، دخلت المسجد لتحوله إلى ساحة صراع. وأبرز هذه الاعتداءات ما قام به الإرهابي التكفيري أبو محمد الجولاني، المعروف أيضًا باسم أحمد الشرع منفذ المشاريع التركية الإسرائيلية الأمريكية في سوريا، والذي حاول تغيير صورته بشعارات مضللة، في مشهد يحز في النفس ويعكس الخطر الداهم على تراثنا الثقافي والحضاري. تلك اللحظة المؤلمة تذكّرنا بضرورة الوقوف صفًا واحدًا لحماية هويتنا الثقافية من التشويه والانحراف.
الحاجة الملحة لغرس حب الوطن والإخلاص
في مواجهة هذه التحديات، تظهر الحاجة الملحة إلى بناء جيل يحمل في قلبه معاني الولاء والانتماء للوطن. تعليم أطفالنا أهمية حب تراب الوطن ومعاني الإخلاص له يجب أن يصبح جزءًا أساسيًا من تنشئتهم. من خلال هذا، يمكننا ضمان استمرار مسيرة البناء والتطوير، وتحقيق رؤية أمة تقدر ماضيها وتحافظ على رموز حضارتها. فالولاء للوطن ليس مجرد شعور مربوط بحالة المواطن المادية، بل هو نهج يُعزز الإرث الثقافي ويُعد الأجيال القادمة لمواجهة التحديات بروح المسؤولية.
المسجد الأموي: روح الأمة ومنارة الأمل
إن المسجد الأموي ليس مجرد بناء حجري، بل هو روح أمة وشاهد حي على حضارة عظيمة عبر العصور. بين الألم الذي خلفته الاعتداءات والأمل في مستقبل أفضل، يبقى المسجد الأموي رمزًا للصمود وعنوانًا للسلام والمحبة. دوره لا يتوقف عند كونه معلمًا تاريخيًا، بل يمتد ليكون مصدر إلهام للأجيال القادمة، منارة تضيء الطريق لكل من يبحث عن العظمة في الماضي ويرسم رؤية طموحة للمستقبل. في هذا الصرح، نجد روح دمشق وهويتها التي ستظل تتحدى المحن وتحمل شعاع الأمل إلى الأبد.
